السيد محمد تقي المدرسي
110
من هدى القرآن
أولئك من شديد العذاب في الدنيا بتكذيبهم ليس إلا شمَّة وضغثا بالنسبة إلى العذاب الأدهى والأمر الذي ينتظرهم في الآخرة ، حيث تدق أجراس بدئه ساعة البعث والحساب . وبعد أن يضع الذكر الحكيم لوحة من مشاهد الآخرة والعذاب أمام قلوبنا وأعيننا يؤكد لنا حقيقة هامة ، هي أن الدنيا بُنيت بكل مفرداتها من الذرة حتى المجرَّة وأصغر من ذلك وأكبر على أساس من السنن والمقاييس والقوانين الحكيمة إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ الآية ( 49 ) ، وبالتالي يجب على الإنسان أن يكيِّف نفسه وحياته وعلاقاته بكل شيء فيها على هذا الأساس ، أما إذا انتظر أو سعى لتسيير الحياة من حوله بسننها ومقاديرها وخلقها وفق هواه فلن يستطيع إلى ذلك سبيلا ، لأنها ثابتة وأقوى منه ، بل وسيخسر إلى الأبد . فلا يظن الإنسان إذن أنه يتحرك في الفراغ ، كلا . . إن حوله ملايين الأنظمة التي تُحصي عليه أخطاءه وأفعاله وأقواله ، وحتى نياته مسجلة عليه تسجيلا دقيقا ، ولهذا يقول الله عز وجل مبيِّناً حال المجرمين حين يرون كتبهم في يوم القيامة : فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً [ الكهف : 49 ] ، وبعد الحساب يلقون جزاءهم إذ يسحبون في النار على الوجوه ، أما المتقون فيعطون كتابهم بيمينهم ، أما جزاؤهم فجنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر . بينات من الآيات : [ 41 - 42 ] كما جعل الله للساعة علامات ونُذُراً تُؤْذِنُ باقترابها كانشقاق القمر ، فإنه تعالى أخذ على نفسه ألَّا يعذب أمة ولا شخصا قبل إقامة الحجة البالغة عليه ، وقبل أن يُقدِّم له من الأنبياء ونُذُر البطش ما فيه مزدجر له وهداية لمن أراد وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [ الإسراء : 15 ] . ويضع القرآن شاهدا لهذه الحقيقة أمام ضمائرنا وعقولنا هذه المرة من واقع فرعون وقومه الذين أُغرقوا في اليم ، إنهم ضلوا عن الحق ضلالا بعيدا ، إذ اعتمدوا نظاماً سياسياً ينطلق من عبادة شخص فرعون ، وينتهج الإفساد والإرهاب والقتل والتضليل ، وكانت هذه الأسباب كافية لأن يمحقهم الله ، أترى أعظم جرما عند الله من بشر يقول : أنا ربكم الأعلى ؟ ! كلا . . ولكنه أمهلهم ، وأراد لهم الرحمة التي خلقهم من أجلها ، فتابع عليهم الآيات والنذر بلسان موسى وعلى يديه ومن خلال الطبيعة ، بما أبطل به سحرهم ومعتقداتهم الواهية ، وأقام عليهم الحجة البالغة .